الحياة نيوز- - قال الكاتب البريطاني في صحيفة “الإندبندنت” روبرت فيسك، أنه لو اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، فإن الفوضى ستسود.

وأضاف فيسك في مقاله الذي ترجمه “شرق وغرب اللندني”: “في خضم ثلاث حروب كارثية في الشرق الأوسط، سيكون من الصعب تصور أي شيء أكثر استفزازاً وخطراً، أو حتى أكثر جنوناً – من نقل الأمريكيين لسفارتهم من تل أبيب إلى القدس. وهذا ما يفكر دونالد ترامب فعله هذا الأسبوع. في الحقيقة كان علينا أن نتوقع ذلك: رؤساء مجانين يقومون بأشياء مجنونة”.

وتساءل فيسك: “ألا يوجد أحد في البيت الأبيض قادر على كبح جماحه؟ ولا حتى جاريد كوشنر، الذي من المفترض أن يكون يد ترامب في الشرق الأوسط؟ أم أن كوشنر ملزم في فضيحته الأخيرة التي تمنعه من التحدث؟ تلك الفضيحة التي كشفت مؤخراً من قبل “نيوزويك” Newsweek، حيث كشفت بأنه فشل عن الإعلان عن مشاركته في إدارة مؤسسة تمويل المستعمرات اليهودية غير القانونية في الضفة الغربية وذلك عندما قدم السجلات المالية لمكتب أخلاقيات الحكومة هذا العام”.

ويواصل فيسك فيقول: “عملية نقل السفارة تلك ليست إلا خطوة رمزية. وهي تعني أن الولايات المتحدة ستعترف بأن مدينة القدس المقدسة لدى المسلمين واليهود والمسيحيين هي عاصمة الدولة الإسرائيلية، ولن يستطيع الفلسطينيون تقاسمها معهم أبداً. إن “عملية السلام” القذرة – التي تركها الإسرائيليون، بعدها من قبل الفلسطينيين ومن ثم الأمريكيون منذ سنوات، على الرغم من أن “رجال الدولة” ما زالوا يتحدثون عنها في عالم الحلم الذي يعيشون فيه – لم تعد موجودة ولا حتى في خيالنا”.

ونوّه إلى أن هذا هو السبب الذي “دفع الجميع من ماكرون إلى أردوغان، من السعوديين إلى الاتحاد الأوروبي، وبالطبع الفلسطينيين الفقراء، إلى انتقاد وإدانة قرار ترامب المحتمل”، مشيراً إلى أنه “إذا لم يوقع ترامب على التنازل القديم – الذي يتم تجديده كل ستة أشهر – ليقوم القانون الأمريكي بنقل السفارة، فإنه سيقوم بتعليق القيادة الفلسطينية، من خلال التعرض لخطر نزاع “عرقي”.

ويتسائل فيسك: “ألم يكن هناك ما يكفي من الحروب في الشرق الأوسط ليبقى البيت الأبيض مشغولاً؟”، مضيفاً أن ترامب قد أخذ منذ فترة طويلة “الجانب السني في الصراع السني الشيعي – لكنه الآن يخاطر بإثارة غضب كل منهما. إن العرب يدركون – وكثير من الإسرائيليين يتفقون معهم أيضاً – بأن الرئيس ترامب مجنون. ولكن تداعيات تحريك السفارة – أو قبول ترامب بأن القدس هي بالفعل عاصمة إسرائيل – سيكون هائلاً. حيث سيقول للعرب، المسلمين والمسيحيين على حد سواء، بأن مدينتهم المقدسة الثانية تنتمي إلى يهود إسرائيل ولا تنتمي لهم. كما سيقول للإيرانيين الأمر ذاته. وهذا يعني بأن الأمر نفسه سينطبق على جميع البلدان الإسلامية في العالم”.

ويتساءل تارة أخرى: “هل يتوقع ترامب ترحيباً حاراً آخر واستقباله برقصة السيف التقليدية في الرياض؟ هل سيختار السعوديون شراء كل تلك المليارات من الأسلحة من الولايات المتحدة حتى لو سلم القدس للإسرائيليين؟ وخاصة أن المسلمين يعتقدون بأن النبي، المولود في الجزيرة العربية، قد صعد من القدس إلى السماء”.

ويمضي فيسك فيقول: “في الغرب، سيؤدي ذلك إلى تمزيق العلاقة بين واشنطن والاتحاد الأوروبي، حيث سيهدد العلاقات الكندية الأمريكية – فالعاصمة الكندية أوتاوا لن تقوم بحركة مشابهة لحركة واشنطن والاتحاد الأوروبي، فهي ما زالت تؤمن باعتزاز بـ “عملية السلام”، وبالتالي فإنه بالتأكيد لن تستجيب لنقل سفاراتها الخاصة إلى القدس. هناك بالطبع قنصليات أوروبية في القدس، ولكنها هناك لتغطية القدس الشرقية والضفة الغربية وليس إسرائيل فقط”.

ويضيف: “من المؤكد أن نتنياهو وحكومته اليمينية غير العادية ستكون سعيدة لأنها ستطلق العنان لحملة توسع جديدة والمزيد من المستعمرات اليهودية التي ما زلنا نطلق عليها اسم “مستوطنات” غريبة على الأراضي العربية الأمر الذي يزيد من غضب الفلسطينيين. إن الإسرائيليين يسرقون أراضيهم من أصحابها القانونيين العرب لسنوات، لكن الرئيس ترامب سيأخذ منهم حتى الأمل بأن تبقى عاصمتهم في القدس الشرقية”.

ويعود الكاتب إلى التسائل قائلاً: “كيف سيستجيب الفلسطينيون في مخيمات اللاجئين في لبنان؟ يكاد ألا يخلو أي منزل فلسطيني من صورة للمسجد الأقصى على الحائط. كيف سيستجيب حزب الله؟ هل يمكن لهؤلاء الرضى بالرد بالكلمات فقط – أم أنهم سيضطرون إلى إطلاق بعض الصواريخ على الحدود الإسرائيلية اللبنانية للتعبير عن غضبهم؟”.

ويتابع: “أما بالنسبة للروس، الحليف الأكبر للنظام السوري – حيث أن بشار الأسد سوف يعلن بالتأكيد أن نظامه هو حامل لواء المعركة الجديدة من أجل “تحرير القدس” – نادرا ما يسمحون بمرور هذه اللحظة دون أخذ الجانب العربي معهم، وبيع السفن الحربية، والطائرات المقاتلة والصواريخ التي اشتروها حتى الآن من الأمريكيين”.

ويختم فيسك مقاله بالقول: “قد يتحقق الحلم الإسرائيلي إذا ما أعلن ترامب القدس عاصمة لإسرائيل. ولكن ذلك سوف يكون بمثابة كابوس بالنسبة للعرب. وعلى الأقل عندما تبقى القدس موضوع المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، فيمكن لعرب الضفة الغربية أن يؤمنوا بالأمل الغامض في حصة من المدينة. ولكن إذا كان ترامب يمضي قدما، فإن الولايات المتحدة لن تستطيع أبدا التوصل إلى “عملية سلام” أخرى، ولو عملية وهمية حتى. وثمة “خطأ هائل” سيرتكب عندما يتحدث العالم عن الولايات المتحدة إذا لم يوقع ترامب على هذا التنازل”.
(شرق وغرب اللندني).