بقلم علياء داود-

من منا لا يتذكر أول نزوحٍ للسوريين الى لأردن، اليوم الذي سٌمّي به المواطن السوري (لاجئ) ليحتفل العالم في هذا اليوم تخليداً للخيبات. حرمتنا تلك الأزمة التي بدأت في الشهر الثالث من عام 2011 من زيارة سوريا ومدنها. أذكر في احدى السنوات التي زرت بها سوريا وكانت آخر زيارةٍ لي قبل الأزمة في صيف 2010 ، أقمنا في فندق جبل الشيخ ، الجبل الأبيض كما يطلقون عليه لأن الثلوج تغطيه في أول سقوط لها على مدن سوريا. وقتها شعرت أن في سوريا مدناً تستحق العشق من أول زيارة، مدينةً يتجلى فيها السحر والجمال والليالي التي لا ينام أهلها إلا وقلوبهم مليئة بالفرح. كانت سوريا المتنفس والملاذ لنا، فكلما شعرنا برغبة بالترفيه أو كنا بحاجة الى إجازة طارئة ، وقرار السفر مثل من يقرر زيارة صديق عزيز له لم يره منذ أيام ، خاصة أن فيها مدناً تُشبهنا عريقةَ الأصلِ وحديثةَ العهدِ، ورائحة الحنين تملأ المكان دون أن تشعر أنك لست في بلدك. بالرغم أنك لا تحمل جنسيتها ولا يوجد على شهادة ميلادك إسمها ولم تحيا على أرضها ، لكن تشعر أنها الخالة التي تحنو عليك أثناء إقامتك بعيداً عن بلدكَ الأم. دمشق القديمة (الشام) تلك الشامة التي تزين خد الخارطة العربية ، يصفعها كل من طالت يداه تلك الشريفه، انتزعوا منها أطهر ما فيها، بلداً ظن مغتصبوه أنهم نالوا منه إلا أنه ما زال هنالك حاجزاً يحميه الله من غدرهم. عاصمة سوريا وأكبر مدنها تقع بالقرب من سلسلة جبال لبنان الشرقية في جنوب غرب البلاد تعتبر دمشق طوال تاريخها الطويل مركزاً تجارياً هاماً في المنطقة، كانت في السابق تشتهر بتجارة الفواكه المجففة والخمور والصوف والأقمشة الحريرية (والداماسك) وهو نوع من القماش المطرز سُمي نسبة الى دمشق، كما أُشتهرت بصناعة السيوف الدمشقية التي عُرفت بجودتها وحدّتها ، وغيرها من صناعة الأثاث والمجوهرات والأواني. من يسير في شوارع الشام يلاحظ أنها ضيقة ذات بيوت متقاربة ، وبلاط شوارعها بارز، وقد ذُكرت في الكتاب المقدس تحت إسم "الشارع المستقيم" حيث عاش القديس بولس الدمشقي فيها بضع سنين. البيوت الدمشقية تتكون من طابقين وفسحة مكشوفة مزينة بالنباتات وياسمينة الدار والنوافير ولكل بيت بابين وممر طويل حتى تصل الى تلك الساحة. في تلك المدينة الجميلة مئتي مسجد، أذكر أهمها وأشهرها المسجد الأموي الكبير، بُنيَ المسجد فوق آثار كنيسةٍ قديمةٍ في القرن السابع الميلادي ، وفيه ضريح النبي يحيى عليه السلام. دمشق بلداً ثقافياً فيه مُتحفاً وجامعةً ومكتبة الأسد الوطنية ويكفي أنها أقدم عاصمة في العالم. أيضا تم استخدامها في الحرب العالمية الأولى من قبل تركيا وألمانيا كقاعدة لتحركاتهما العسكرية قبل أن تقع في يد الفرنسيين. تلك هي دمشق وتشبهها أخواتها حلب والحسكة والقنيطرة والرقة والسويداء ودير الزور ودرعا وحماة وحمص ونتذكر إدلب واللاذقية وطرطوس، مدناً عاثت بها الفتنة لعن الله من أيقظها. تنام على صوت الصواريخ والقصف، أخفوا ملامحها الجميله تحت الركام، حرقوا قلبها وأبادوا أهلها بإسم السلام فنزعوا السلام. نامي أيتها الجميلة وأحلمي بغدٍ لعله يحمل في طياته لكي حلماً جميلاً وواقعاً أجمل. سلامٌ عليكي وعلى أهلكي الكرام وعلى من دخل بيتك آمناً في يوم من الأيام (يا شام).