متى كبرت يا أمي... ومتى غزا الشيب سواد شعرك الداكن... متى تسللت هذه الشقوق إلى كعبيك وتلك التجاعيد إلى جبينك... أين كنت أنا... لِمَ لَمْ أقف حاجزاً أمام هذه التغيرات... ومنذ متى لم تعودي تستمعين إلى دبيب النملة وإلى أسرار الجدران... منذ متى تحتاجين لمن يمسك يدك لكي تستطيعين الوقوف وأنت من كنت تسندين الحائط وتمسكين يد الجميع صغاراً وكبار حتى يقفوا ويستدلوا إلى الطريق الصحيح...
آه أيتها الفتيه!! لم كنت أعتقد دوماً أنك الصبية التي لا تشيخ!! لِمَ كنت أكبر وأنت كما أنت يافعة تتابعين أيامي ونموي وأنت ثابتة فتية فاتنة جميلة... ولا أدري ما الذي أزاح ذلك الستار في هذا اليوم لأرى أثر الزمن والأحداث تسطر قصصاً في أخاديد ذلك الخد!! الذي يشع حُباً وعطاءً وقصص تضحية في كل زاوية أو منحنى من زواياه...
عكازة صغيرة، وسماعات دقيقة، ونظارات سميكة وكيس كبير من الأدوية أصبحت متطلبات أساسية للحياة، وأصبحت لا تقل أهمية عن أي طرف من الأطراف أو أي حاسة من الحواس!! آه كم عبث بك الزمان... واستهلكنا أنا وأخوتي عمركِ وصحتكِ وجمالكِ.... آه كم نحن محظوظون بكِ ولكن هل أنتِ كذلك... فماذا قدمنا لكِ سوى الهم والحزن... نقاسمكِ أحزاننا ونسرق عمركِ... ونمن عليكِ بزيارة أسبوعية أو شهرية يتيمة وكلما قدمنا لك شيئاً طلبنا منك التقدير والشكر في حين أنكِ قدمتِ كل شيء لا لشيء إلا لتري الفرحة في أعيننا...
آه كم نحن سيئون يا أمي... آه يا أمي ما أفشلني وأسوأني ليت ذلك الستار لم يزاح في هذا اليوم عن عيني لأرى ما رأيت! وياليتني لم أرى هذا الواقع.. لأنني أرفض... الأمر الواقع والحقيقة الراسخة... لأنني لا أؤمن إلا بحقيقة واحدة... وهي أنك ستبقين يا أمي الأجمل والأقوى والأذكى والأطيب والأروع... معطاءة كما الشجرة، شامخة كما القمم، عميقة كما البحر... ستبقين كل ذلك وأكثر من ذلك... لا لشيء إلا لأنك أمي!!

مدير عام مدارس الرأي