بقلم الدكتور محمد أبوعمارة

كم شعرت بالسعادة عندما قدم لي صديقي تلك البطاقة والتي تتضمن دعوة للعشاء في إحدى المطاعم الفاخرة جداً والتي أمر من أمامها مسرعاً خوفاً من أن أدفع فاتورة مشاهدتي لليافطة!! لبست بدلتي الوحيده والتي أشعربها بأنني في غاية الأناقة، فهي خياري الوحيد لهكذا زيارات رسمية، وصلت قبل الموعد بنصف ساعة وانتظرت إلى أن بدأ المدعوون بالوصول فدخلت معهم حتى لا أكون أول من يصل للمطعم – موضوع برستيج ليس إلا- وعندما أكتمل الحضور الذي كان عبارة عن جمع كبير من الوزراء والنواب وكافة المسؤولين في البلد وكانت تلك هي المرة الاولى في حياتي التي أشاهدهم فيها حقيقة وليس على شاشات التلفاز، وقلت يا الله ويا للسعادة التي تغمرني، وسأحاول أن ألتقط صوراً لي معهم كلهم حتى أنشرها على صفحة "الفيسبوك" حتى يعرف الجميع بأنني "واصل" وسأدّعي بأن كل هؤلاء أصدقائي وما هي إلا دقائق حتى أخذ رئيس تلك الجمعية التي قدمت بطاقات الدعوة المايكرفون وبدأ بالحديث عن أهداف تلك الجمعية الخيرية، وعن الأسر الفقيرة التي تعيلها، وبعد ذلك استل الوزير المشهور جداً والمفوّه جداً الميكرفون وتحدث عن دور المجتمع في إنقاذ تلك الأسر وعن حتميته ومسؤولية كل مواطن بالتبرع لتلك الجمعية حتى تقوم بإنقاذ تلك الأسر وأثناء كلمته مددت يدي إلى جيبي والتي كنت أعرف أنها لا تحوي إلا خمس دنانير، حاولت أن أبحث هنا وهناك علّي أجد غيرها، عبثاً أحاول فأنا لا أملك منذ أيام إلا تلك الدنانير الخمس... وجلست أفكر: كيف سأتبرع فقط بخمسة دنانير أما الآلاف التي سيغدق بها الوزراء على هذه الجمعية، كم كنت خجولاً من نفسي وكم فكرت بأن أتسلل هارباً دون أن يشعر بي أحد، لأن الهروب أقل إحراجاً من أن أتبرع بذلك المبلغ الزهيد!! ولو تبرعت بتلك الدنانير الخمس فكيف سأغادر المكان وكيف سأصل لبيتي الذي يبعد مسافة تزيد عن العشرين كيلومتراً عن موقع ذلك المطعم وأثناء ذلك نُقل المايكرفون لأحد كبار المسؤولين في البلد والذي استهل كلامه بتجريم كل من لا يتبرع ونعته بعدم الوطنية بل واقترب من تكفيره وإخراجه من الملّة... وأنا أقول في نفسي يالله لو كنت أعرف لاستلفت من أصدقائي مبلغاً أكبر... كُله ولا أخرج من الملّة!! وأثناء ذلك مرت على الطاولات إحدى الفتيات الجميلات ووزعت مغلفاً على كل واحد منا وطلبت منا ان نضع ما نريد من مال فيه وأن نغلقه وأن نسلمه عند الخروج من القاعة، وقالت بأن التبرع غير إجباري وهنا خف توتري قليلاً فلن يعلم بموضوع الدنانير الخمس إلا الله... الحمد لله... لن تكون فضيحتي بجلاجل... وبالفعل وكاللصوص استليت الدنانير الخمس من جيبي وأودعتها ذلك المغلف وحرصت أن لا يراني أحد وأرخيت سمعي للذين تحدثوا من نواب ووزراء ومسؤولين وأنا أفكر في الكيلومترات العشرين التي سأمشيها على قدمي... أنتهت الكلمات لأفاجئ بأن الحفل لا يحتوي فقرة العشاء وإنما فقط حفل شاي بسيط... شربت ما استطعت من شاي وأودعت المغلف عند الأشخاص الذين كانوا يطوقون البوابة وغادرت القاعة مسرعاً خوفاً من أن يمسكني أحدهم ويقول: "شو يا أبو الخمس نيرات!!" وبدأت المسير إلى منزلي ووصلت له منهكاً بعد ساعات طوال من المشي فالقيت نفسي على سريري ودخلت في غيبوبة من التعب والكوابيس تطاردني ... فتارة أحلم بوجود قضية عنوانها أحدهم يتبرع بخمس دنانير في حفل ضخم... وكابوس آخر بأن الامن العام طاردني وسجنني لإستخفافي بالجمعية... وكابوس آخر بأن موضوعي أصبح قضية رأي عام والكل ينظر إلى بإزدراء... وهكذا استمرت الكوابيس إلى أن استيقظت مفزوعاً لآخر كابوس وهو إطلاق حكم الإعدام على أبو الليرات الخمس... وفي الصباح استيقظت وركضت لشراء الجريدة لأفاجئ بخبر بالخط العريض... "فضيحة في حفل جمعية "كذا" الخيرية... مجموع كل التبرعات للحفل الكبير الذي أُجري في قاعة "كذا" الكبرى هو فقط خمس دنانير!!"

مدير عام مدارس الرأي