فورة الدم جريمة محرمة شرعاً واعتداء آثم على الأبرياء ومقدّرات المجتمع

الحلقة الأولى : تهدف أحكام الإسلام وتكاليفه إلى ما فيه خير العباد ، وعلى جلب المنافع لهم ودرء المفاسد عنهم ، وإسعادهم في الدنيا ودار المَعَاد ، وهذه هي مقاصد الشريعة الربانية السمحة ، وهي الحكمة التي أرادها الشارع سبحانه وتعالى من تنزيل التشريعات ، والغاية التي وضعها في كل حكم منها ، وهي تحقيق المصالح التي يجب تحصيلها والسعي في رعايتها والعناية بحفظها .
     واتبعت الشريعة الغرّاء في حفظ هذه المصالح المعتبرة سبيلين : الأول إيجادها وإقامة أركانها وتثبيتها ، الثاني حفظها ومنع ما يؤدي إلى اختلالها أو انعدام وجودها ، وتنوعت الأحكام التي نظمت تلك المقاصد إلى ثلاثة أنواع :
أولاً : الضروريات : وهي التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا ؛ بحيث يفوَّت فقدانها على المرء نعيم حياته والنجاة في آخرته ، فهي كُلِّيَّاتُ الشريعة وقواعدها ، ويكون حفظها من جانب الوجود بإقامة أركانها وتثبيتها وفعل ما فيه بقاؤها ، وحفظها من جانب العدم يكون بمنع اختلالها وترك ما فيه انعدام وجودها ، وهي خمسة على الترتيب التالي :
* الدين : وهو في المرتبة الأولى لأنه أساس الحياة المُثْلَى التي تسهم في بناء إنسان أقرب ما يكون إلى الكمال البشري ، ولإقامة الدين وترسيخه في القلوب أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وأوجب الإيمان وأركانه ، قال تعالى { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ... } البقرة 285 ، وشرع العبادات التي تنظم علاقة الإنسان بربه ، قال صلى الله عليه وسلم { الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً } رواه مسلم ، ولحماية الدين من الاعتداء حرم الابتداع فيه ، قال صلى الله عليه وسلم { من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد } رواه البخاري .
* النفس : ويشمل حق الإنسان في الحياة وسلامة الجسد ، وحقه في الدفاع عن نفسه ووجوده في مواجهة أي عدوان عليه ، شرع الله لإقامتها من حيث الوجود الزواج بهدف التكاثر وبقاء النوع الإنساني ، قال صلى الله عليه وسلم { تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم } رواه أبو داود ، ولكفالة بقاء النفس الإنسانية وحفظها من جانب العدم أوجب تناول ما يقيمها من ضرورات الطعام واللباس والمسكن في حدود الشرع والبعد عن المحرمات ، ولأن هذه النفس محترمة مصونة عند الله تعالى فقد حرم الاعتداء عليها واعتبر قتلها ذنباً عظيماً ، قال تعالى { ... مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ... } المائدة 32 ، وأوجب القصاص حقاً لولي المقتول بعد حكم القاضي في حالة الاعتداء على النفس عمداً بالقتل ، وأوجب الكفارة والدية في القتل الخطأ .
* العقل : ويشمل سلامة الحواس ، وهو أداة التفكير والإبداع وبه يتدبر الإنسان أموره ، لذا فقد ارتقى الإسلام بالعقل ووضعه في المكانة اللائقة ، فجعله مناط التكليف أي سببه ، فمن لا عقل له لا تكليف عليه .
     شرع الله للعناية به وحفظه من جانب الوجود مذاكرة العلم والمعرفة التي عدها رسول الله تسبيحاً ، وأوجب على الإنسان التبصر في تكوين الرأي واتباع المعتقدات بعيداً عن التقليد الأعمى بل بالدليل ، قال تعالى { ... قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } النمل 64 ، واعتبر العقل مسؤولية عظمى يحاسب عليها الإنسان إن لم يستعملها في التوصل إلى الحقائق ، قال تعالى { ... إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } الإسراء 36 .
     ولحفظ العقل من جانب العدم حرم الله تعالى الاعتداء عليه وإذهابه بالمسكرات أو بغيرها ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } المائدة 90 ، وأوجب جلد شاربها ثمانين جلدة حداً ، فحماية العقل حماية للعقيدة والفكر لأنه المميز للإنسان عن المخلوقات الأخرى .
 * النسل : وهذا الحق يشمل جميع الأجناس البشرية المختلفة في هذه الحياة ، وإلى الأقليّات العرقية حمايةً لهم من الانقراض والإبادة . شرع الله الزواج لحفظه من جانب الوجود ، فبه تكون الذرية والنسل ، قال صلى الله عليه وسلم { يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ... } رواه البخاري ، فالذرية الطيبة مأمل كل إنسان حتى الأنبياء ، قال تعالى في زكريا عليه السلام { ... قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ } آل عمران 38 ، وشرع اختيار الأم الصالحة المربية ، قال صلى الله عليه وسلم { تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم } رواه ابن ماجه ، وحث على تغريب النكاح وتجنب زواج الأقارب ، قال عمر ابن الخطاب [ لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاوياً ] ، فالنسل الصالح غير المعيب يساعد في إيجاد المؤمن القوي ، قال صلى الله عليه وسلم { المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير ... } رواه مسلم .
     ولحفظ النسل من جانب العدم فقد حمى الشرع الأعراض ومنع اختلاط الأنساب بتحريم الزنا وما يؤدي إليه ؛ وشدد العقوبة على هذه الجريمة بإيقاعها بمشهد من الناس ، وحرم الإجهاض وعاقب من يتسبب فيه ، فقد ورد { أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بغرة عبدٍ أو أمة } رواه البخاري .
* المال : المال في الأصل لله والإنسان مستخلف فيه ، ويكون حفظه من جانب الوجود بسعي الإنسان طلباً لتحصيله ، قال تعالى { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } الملك 15 ، فقد أقرت الشريعة الإسلامية حق الملكية بأنواعها الثلاثة :الخاصة والعامة وملكية الدولة ، ونظمت أحكامها ، وحددت أسباب الكسب المشروع ، وكيفية التصرف بالمال وإنفاقه ، ووضحت الالتزامات المفروضة على الغني كالزكاة والنفقات وغيرها .
    ولحفظ المال من جانب العدم حرم الله الاعتداء على المال وإتلافه بأية صورة كانت ، وشدد عقوبة المتعدي عليه كقطع يد السارق مثلاً ، فالمال حماية شاملة لحق التملك والتصرف في الملكيات ، بل وفي جميع الحقوقِ الاقتصادية .
     ومن العلماء من يرى وجود ضروريات أخرى غير هذه كالعرض مثلاً ، فجعل حفظه من القذف والسب من المقاصد الشرعية المهمة ، وكالتيسير على العباد ورفع الضرر والضيق عنهم ، وكالعدل والحرية والمساواة والائتلاف والإصلاح وعدم الإفساد وغيرها . ولا تقوم مصالح الدين والدنيا والآخرة إلا بالمحافظة على هذه الكليات الخمسة ، فلو عُدِمَ الدينُ عُدِمَ ترتُّبُ الجزاء الأخروي المرتجى، ولو عُدِمَ المكَلَّف (النفس) لعُدِمَ من يَتَديَّن، ولو عُدِم العقل لارتفع التديُّن ، ولو عُدِمَ النسلُ لم يكن بقاء ، ولو عُدِمَ المالُ لم يبقَ عيشٌ . ولأن هذه الضروريات هي المقاصد الأصلية فهي متعينة على كل إنسان بنفسه أن يحفظ دينه اعتقاداً وعملاً ، ويحفظ نفسه قياماً بضروريات حياته ، ويحفظ عقله ليتمكن من تلقِّي خطاب ربه ، ويحفظ نسله وصولاً إلى بقاء أثره وامتداده في الحياة الدنيا وعمارتها ، وصيانة له عن اختلاط الأنساب ، ويحفظ ماله للاستعانة على تحقيق هذه الأصول الأربع .
ثانياً : الحاجيات : وهي التي يُفتقر إليها من حيث التوسعة على المكلفين ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى وقوع الحرج والمشقة بهم ، مما قد يفوِّتُ حكمتها ويضيِّعُ ثمرتها ، لكن هذا الضيق لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة . ومنها إباحة التمتع بالطيبات المحللة ، وتشريع الرخص للتخفيف من مشقة العزائم .
ثالثاً : التحسينيات : وهي مكارم الأخلاق التي توجه الناس إلى الأخذ بما يليق من العادات وما تقتضيه المروءة ، وتجنب المدنِّسات التي تأنفها العقول الراجحات ، ولا يخل فقدانها بالضرورات أو بالحاجيات ، وهي راجعة إلى محاسن زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجية وجارية مجرى التحسين والتزيين .
     وعلى ذلك فالتحسينيات مكملة للحاجيات ، والحاجيات مكملة للضروريات ، والضروريات هي أصل المصالح وأقوى مراتبها ؛ بحيث يلزم من اختلالها اختلال فيهما ، لذا لا يجوز الإخلال بحكم منها إلا إذا كانت مراعاته مخلة بأخرى أهم منها ، فوجب الجهاد مثلاً لحفظ الدين وإن كانت فيه تضحية بالنفس لأن حفظ الدين أهم من حفظ النفس ، وأبيح شرب الخمر لمن أكره عليها لأن حفظ النفس أهم من حفظ العقل .

الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي/ قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس